الجرائم الاقتصادية تعيق النمو
الجرائم الاقتصادية تعيق النمو
مؤلف: السيد هاني الأشقر

السيد هاني الأشقر، شريك أول في شركة برايس ووتر هاوس كوبرز في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتحدث عن الدرا

 ضيف المدونة لهذا الأسبوع هو السيد هاني الأشقر، شريك أول في شركة برايس ووتر هاوس كوبرز في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتحدث عن الدراسة الاستقصائية التي أجرتها الشركة عن الجريمة الاقتصادية في الشرق الأوسط لعام 2014.

تعتبر الجريمة الاقتصادية خطراً يهدد نمو الأعمال وتطورها على المستوى الوطني، إذ تؤثر هذه الجريمة على رفاهية الأفراد في جميع أنحاء المنطقة وتعيق النمو الاقتصادي. كما أنها تضر بالعمليات الداخلية، وتنتقص من نزاهة الموظفين، ولا تشوه سمعة الشركة المعنية فحسب، بل والاقتصاد الذي تعمل فيه. 

وتوصلت الدراسة الاستقصائية التي أجرتها شركة برايس ووتر هاوس كوبرز عن الجريمة الاقتصادية في الشرق الأوسط لعام 2014 إلى أن الجريمة الاقتصادية لا تزال تمثل تهديداً خطيراً على الشركات العاملة في المنطقة. وقد شارك في هذه الدراسة 232 شركة من تسع دول عربية. وذكرت 37% من الشركات المشاركة أنها وقعت ضحية لجرائم اقتصادية في الشهور الاثنا عشر الأخيرة لتزيد النسبة بهذا بمقدار 3% عن عام 2011. بينما ذكرت 25% من الشركات أنها تعرضت لجرائم الإنترنت في ظل تزايد تحول المحتالين نحو التكنولوجيا باعتبارها أداتهم الرئيسية لارتكاب الجريمة. 

وأوضحت الدراسة الاستقصائية أن نوع الجريمة الاقتصادية الأكثر شيوعاً في منطقة الشرق الأوسط كان اختلاس الأصول، بينما جاءت جرائم الإنترنت، والرشوة والفساد، والاحتيال المحاسبي، في المراكز الثانية والثالثة والرابعة على التوالي. وتضمنت قائمة الجرائم الأخرى التي أشار إليها المشاركون الاحتيال في مجال الموارد البشرية وغسل الأموال وسرقة الملكية الفكرية أو البيانات والاحتيال في مجال الرهن العقاري والاحتيال الضريبي. 

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد شركة في أي مكان في العالم محصنة ضد أثر الجريمة الاقتصادية. ومن المثير للاهتمام أن معدلات الجريمة الاقتصادية المبلغ عنها في منطقة الشرق الأوسط قد شهدت تراجعاً، بالرغم من ارتفاعها على المستوى العالمي. وعلى الرغم مما سبق، توقع أكثر من 38% من المشاركين عند سؤالهم عن الاتجاهات المستقبلية للجريمة في المنطقة أن تتعرض مؤسساتهم وشركاتهم لهذا النوع من الجرائم خلال الأربعة وعشرين شهراً القادمة. 

ويعتبر التأثير المالي المباشر لهذه الجريمة على الشركات تأثيراً بالغاً، إذ أشار 12% من المشاركين إلى أن التأثير المالي تجاوزت قيمته 5 مليون دولار خلال العامين الماضيين، بينما ذكر نصف المشاركين أن شركاتهم تكبدت خسائر تجاوزت 100 مليون دولار. ويصعب قياس الخسارة المباشرة المرتبطة بالجريمة الاقتصادية قياساً دقيقاً لكن 20% من ضحايا هذه الجريمة الذين جرى استقصاء آرائهم قيموا التأثير المالي للجريمة الاقتصادية على شركاتهم بما يزيد عن مليون دولار، بينما قيم 2% من الضحايا (بما يمثل 30 شركة) هذا التأثير بما يزيد على 100 مليون دولار على كل شركة من شركاتهم. 

وبالرغم من التكلفة المالية الضخمة التي تخلفها الجرائم الاقتصادية، فمن المثير للقلق أن 5% فقط من هذه الجرائم هو ما يكتشفه مدققو الحسابات. ويشير هذا إلى وجود عجز واسع النطاق في الوسائل الفعالة لاكتشاف عمليات الاحتيال. ولا يساعد هذا القصور في فاعلية إجراءات مكافحة واكتشاف عمليات الاحتيال المجرمين على استنزاف ملايين الدولارات على مستوى العالم فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى قصور كبير في المعرفة بالجرائم الاقتصادية التي يتم ارتكابها بالفعل، مما يجعل مهمة منعها أمراً أكثر صعوبة. 

ولعل ما هو أكثر خطورة من التأثير المالي المباشر للجريمة الاقتصادية هو تهديدها لأنظمة العمل التي تعتبر اللبنات الأساسية التي تقوم عليها إدارة كافة الشركات. وفي زيادة حادة عن معدلات العام الماضي البالغة 37%، أشار 50% من المشاركين إلى أن “فقدان الثقة” بسبب انتشار الجريمة الاقتصادية من المشكلات الأساسية التي يعاني منها السوق. وعلاوةً على ما سبق، تأتي الرشوة والفساد ضمن المخاوف الأساسية لدى الرؤساء التنفيذيين طبقاً لاستقصاء شركة برايس ووتر هاوس كوبرز للرؤساء التنفيذيين في الشرق الأوسط لعام 2014. ويعتبر 41% من المشاركين أن الضرر الذي يلحق بالروح المعنوية للموظفين هو الأثر الجانبي الأكثر أهمية لهذه الجريمة لا العوامل ذات الطابع التجاري حيث أن 17% من المشاركين ذكروا التأثيرات على سمعة الشركة وعلاقات العمل. وبالرغم من التأثيرات المالية والجانبية لهذا النوع من الجريمة، لم يشر إلا 3% فقط من المشاركين إلى أن حوادث الاحتيال قد أثرت على سعر سهم شركاتهم. 

ويشكل انعدام الشفافية والمساءلة في المنطقة عائقاً ليس أمام الاستثمارات الخارجية فحسب، بل وأمام بناء شراكات عمل ناجحة أيضاً بسبب المتطلبات التشريعية الصارمة لبلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفور تطبيق القيم على مستوى الشركات، ينبغي أن تكون الشركات واضحة وصريحة تجاه الأطراف المعنية الخارجية فيما يتعلق بأنشطتها لتمكين المستثمرين من الشعور بالثقة في روح الشركة. 

ويأتي تحسين الشفافية والمساءلة والحوكمة المؤسسية وممارسات العمل في المنطقة على رأس الأهداف التي تسعى لتحقيقها مبادرات الحوكمة مثل مبادرة بيرل، وهي مؤسسة خليجية غير ربحية يقودها القطاع الخاص وتم تأسيسها بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة للشراكات. وتلتزم هذه الشبكة الإقليمية المتنامية لقادة الأعمال بقيادة العمل المشترك وتبادل المعرفة والخبرة إيماناً منها بأن ترسيخ السياسات والعمليات يعمل على تعزيز الشفافية. وبتشجيع المزيد من الشركات عبر المنطقة بالعمل معاً لتعزيز الشفافية، تستطيع الشركات أن تسهم بشكل مباشر في رفع تصنيفات الدول وأن تمكن المستثمرين الأجانب المحتملين من فهم كيفية إدارة الأعمال في المنطقة، ومن هنا تعتبر شركة برايس ووتر هاوس كوبرز أحد الأعضاء المؤسسين في مبادرة بيرل. 

ولا تزال الجريمة الاقتصادية تمثل تحدياً كبيراً أمام الشركات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم. ونظراً للآليات الاقتصادية المتغيرة مثل نزعة تحول الثروات نحو دول الشرق والتطور الكبير في التكنولوجيا، يتعين على الشركات أن تقوم بشكل استباقي بتطبيق برامج لمكافحة الاحتيال والفساد وتدعيم مبادرات أمن الإنترنت لحماية نفسها من الهجمات. وتؤثر الجريمة الاقتصادية في الوقت الراهن وبشكل مطرد على عمليات الأعمال الأساسية، وتعيق النمو بما يؤثر في نهاية المطاف على نمو وأمن الاقتصاد الإقليمي الأوسع نطاقاً. ولذلك، يتعين على الشركات والمؤسسات أن تعد نفسها لمواجهة هذا التحدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سجل للحصول على اخر اخبارنا

سجل في نشرتنا بعنوان بريدك الإلكتروني حتى تكون أول من يعلم بآخر مستجدات موائدنا المستديرة ومنشوراتنا


    Sign up for our Newsletter

    Register your email with us and be the first to know about our latest roundtables and publication.